الشيخ محمد علي الأنصاري
314
الموسوعة الفقهية الميسرة
ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ « 1 » ، وقوله صلّى اللّه عليه واله - على ما روي - « ليس في أمّتي رهبانيّة » « 2 » ، ونحو ذلك . والثاني - مثل الرغبة عن النساء ، وترك الزواج لا لعذر مشروع ، وقد ورد في الزواج : « النكاح سنّتي ، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي » « 3 » . وبناء على ذلك ، فمن ترك أهله وعياله ومعاشرة النّاس ، أو رغب عن النكاح وتخلّى للعبادة قاصدا بذلك مشروعيّته ، فقد أدخل في الدين ما ليس منه ؛ لأنّ العبادة لا تحتاج إلى ذلك ، فقد كان النبيّ صلّى اللّه عليه واله أعبد النّاس ، وهو يعاشرهم وينكح النساء ، فقد روي : « أنّ جماعة من الصحابة كانوا حرّموا على أنفسهم النساء ، والإفطار بالنهار ، والنوم بالليل ، فأخبرت أمّ سلمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ، فخرج إلى أصحابه فقال : أترغبون عن النساء ؟ ! إنّي آتي النساء ، وآكل بالنهار ، وأنام بالليل ، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي . . . » « 1 » . وروي : « أنّ سكين النخعي كان تعبّد وترك النساء والطيب والطعام ، فكتب إلى أبي عبد اللّه عليه السّلام يسأله عن ذلك ؟ فكتب إليه : أمّا قولك في النساء ، فقد علمت ما كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه واله من النساء ، وأمّا قولك في الطعام ، فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله يأكل اللحم والعسل » « 2 » . إذن فالعبادة وإن كان مأمورا بها بصورة عامّة ، لكنّها لمّا اقترنت بما هو منهيّ عنه صارت فاسدة ، وحينئذ يكون الاعتقاد بشرعيّتها إدخالا في الدين لما ليس منه ، وهو معنى البدعة . وأمثلة ذلك كثيرة ، مثل الالتزام بمشروعيّة بعض أقسام الصوم المنهي عنه ، كصوم الوصال « 3 » ، وصوم يومي العيدين ، وصوم الدهر « 4 » ، وصوم يوم الشكّ ، ونحوها ؛ لورود النهي عنها جميعا . ومن هذا القبيل إتيان صلاة النافلة جماعة ، فإنّ الجماعة لم تشرع لها ، وإنّما شرّعت للفرائض ، وسوف يأتي الكلام عن بعض الأمثلة إجمالا في مواضعها المناسبة إن شاء اللّه تعالى .
--> ( 1 ) الحديد : 27 . ( 2 ) الوسائل 11 : 344 ، الباب الأوّل من أبواب آداب السفر ، الحديث 4 ، وانظر البحار 67 : 113 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب النهي عن الرهبانيّة والسياحة وسائر ما يأمر به أهل البدع ، فإنّه جمعت فيه النصوص من الكتاب والسنّة في هذا الموضوع . ( 3 ) قال صاحب الجواهر ( 29 : 12 ) : « النبوي المروي بين الفريقين » ، ثمّ ذكر الحديث . انظر : البحار 100 : 220 ، كتاب العقود والإيقاعات ، باب كراهة العزوبة ، الحديث 23 ، وسنن ابن ماجة 1 : 592 ، كتاب النكاح ، باب ما جاء في فضل النكاح ، الحديث 1846 مع اختلاف بسيط ، وورد هذا المضمون ونحوه مستفيضا في أوائل مقدّمات النكاح من كتب الحديث والفقه . 1 الوسائل 20 : 21 ، الباب 3 من أبواب مقدّمات النكاح ، الحديث 9 . 2 المصدر المتقدّم : 15 ، الباب الأوّل من أبواب مقدّمات النكاح ، الحديث 8 . 3 يأتي تعريفهما في الصفحة 329 . 4 يأتي تعريفهما في الصفحة 329 .